فاس عاصمة المطبخ المغربي العريق

تعرفوا على الأسباب التي جعلت من مدينة فاس عاصمة للمطبخ المغربي العريق وأهم الأماكن والإحتفالات التي تختص بالطعام في هذه المدينة المغربية الرائعة

الطعام في فاس
الطعام في فاس

اشتهرت مدينة فاس المغربية قديما وحديثا بكونها منارة للعلم والثقافة، واستقطبت السائحين من مختلف بقاع الأرض للإطلاع على معالمها وآثارها وبيوتها المدهشة، ولكن ما لا يعرفه البعض، أنها تتربع على عرش المطبخ المغربي الذي يأتي في المرتبة الثانية عالميا بعد المطبخ الفرنسي، ومن المعروف أن الثقافة تضع بصمتها على كل جوانب الحياة، بما في ذلك طبق الطعام، فكيف يكون الحال إذا كانت هذه الثقافة توصف بالتنوع والغنى في مدينة فاس، فهي تجمع الثقافات العربية والأمازيغية والإفريقية والأندلسية والغربية والشرقية، وإذا اجتمعت هذه "التوابل" الحضارية في "طبخة" فاسية ستكون النتيجة مائدة من الأطباق الشهية التي يعجز وصفها.

ويمتاز المطبخ المغربي بشكل عام والفاسي على وجه الخصوص بنكهات التوابل الظاهرة، والتركيز على الخضار والفاكهة المطبوخة مع اللحم أو الدجاج، ويُعد "الطاجن" و "الكسكس" أشهر الأسماء في عالم الطبخ المغربي.

وكي تتضح الفكرة أكثر، لكم أن تتصوروا أن مدينة فاس تُقيم سنويا مهرجانا للطبخ يمتد من 29 حتى 31 من شهر أكتوبر، حيث يلتقي أمهر الطباخين من مختلف أصقاع العالم للتفنن في إعداد أشهى الأطباق المغربية التقليدية مع إضافات جديدة وابتكارات من مختلف المطابخ العالمية، وتتحول أزقة وأحياء فاس القديمة إلى ورشة وخلية نحل تفوح منها رائحة الخبز اللذيذ وأصوات الازدحام والصخب التي تحيط عربات الشوارع وشرفات المقاهي والدكاكين.

في فاس "بيوت" للشاي

الشاي كما لم تعرفوه من قبل

الشاي في فاس
الشاي في فاس

يتمتع إبريق الشاي الأخضر بالنعناع بقداسة واحترام في كل بيت في فاس، ورغم أنّ الأهالي يفضلون تناوله في البيوت بهدوء وخصوصية؛ إلا أنّ المدينة القديمة أو ما تُعرف ب "فاس البالي" تزخر ببيوت الشاي والمقاهي والمطاعم التي تُشعر الزائر وكأنه يتناول الشاي في بيته، حيث صُممت المجالس المغربية فيها بحميمية ودفء وعناية فائقة بالديكور والإضاءة والزخرفة، يُعد مقهى ومطعم "رياض ناصيف" أحد هذه الأماكن الدافئة لتناول الوجبات المغربية الأصيلة والتمتع بكأس من الشاي على الشرفة المطلة على المدينة القديمة، ويعتبر "الطاجن" و "الكسكس" مع الخبز المغربي الوجبة الرئيسية التي يقدمها هذا المطعم، وتمتاز صالات الطعام فيه بالزركشة و"الموزاييك" الذي يحيط الجدران والأعمدة مع إنارة خافتة من البهو العلوي لمزيد من السكينة والفخامة، وتُختتم طقوس الطعام هنا بصحن من شرائح البرتقال بنكهة القرفة وقطعة من الكيك الاسفنجي اللذيذ.

ولرحلة طعام أخرى في فاس سنذهب لتناول القهوة أو الشاي، لا أدري أيهما تفضلون، في مقهى The Ruined Garden، وهذه المرة يأتي كأس الشاي بالنعناع مصحوبا بمواقد النار المشتعلة في حديقة واسعة وجميلة، ويمكن للمرء تناول طعامه أو شرابه في الهواء الطلق أو تحت "سقيفة" أو كوخ صغير، ما أجمل وهج النار في ليل يلفه السكون ويرسمه مذاق من الرضا والراحة.

وتستمر فاس بتقديم ألوان قوس قزح من النكهات والوصفات الحصرية في مطعم "دار السعادة"؛ الذي يمكن أن يكون دارا للسعادة بالفعل، على الأقل سعادة "المعدة" بأطباق لا مثيل لها من الطاجن المغربي المطبوخ مع اللحم أو الدجاج، وهذا المطعم يبدو للوهلة الأولى من الخارج مكانا عاديا لا يميزه شيء، وما أن يدخل الزائر إليه، يراوده الشعور بأنه دخل إلى قصر من قصور "شهرزاد" كما في الحكايا الخيالية، حيث الفخامة والزركشة والديكورات المرفهة تحيط بوجبة الغداء أو العشاء وكأنك في موعد لتناول الطعام مع أحد الملوك أو الأمراء، وهي تجربة تستطيعون عيشها بحق بحجزكم فندقًا في مدينة فاس، وبالأخص عند حجز فندق في وسط المدينة او المنطقة القديمة.

مهرجان "أطعمة الشوارع" في فاس

الطعام في كل مكان وبكل الأشكال

اسواق وطعام الشوارع في فاس
اسواق وطعام الشوارع في فاس

إذا كنا نتحدث عن "الأبهة" التي تحيط بمطاعم فاس العريقة فهذا لا يعني أن لا مكان "للسندويش" أو الأطباق الشعبية في فاس، بل العكس تماما، إنها واحدة من المدن القليلة في العالم التي تعيش "عرسا" يوميا ومهرجانا صاخبا من الأكشاك والعربات والدكاكين في الحارات والأزقة الضيقة وفي الساحات العامة والخاصة التي تحتفل بعرس الطعام على أكمل وجه، هل جربتم أنواع الخبز المغربي المختلف والمتنوع مثل خبز الحرشة أو الرغيف؟ بالتأكيد رائحة الخبز التي لا تُقاوم سوف تدلكم على أفران الخبز التقليدية المنتشرة بكثرة في المدينة القديمة في فاس.

أما "البيصارة" فهي سلاح شتوي أثبت جدارته في حماية أهل فاس من برد "الجوع" والطقس على حد سواء، وهي عبارة عن طبق ساخن من الفول المقشر مع الخضار والتوابل وزيت الزيتون، ويمكن تناولها بسهولة من الدكاكين والعربات في السوق.

بالإضافة إلى سندويشات "النقانق" و سمك السردين المُبهر، أما المغرمون بالأطباق "الغير" عادية؛ يمكنهم التمتع بوجبة من "رؤوس" الخراف المطبوخة، أو شوربة "الحلزون" أو طحال الجمال، حتى الطعام يتطلب أحيانا جرأة وشجاعة كبيرة لتذوقه !

وكي لا يُصاب المرء بالتخمة من الأطعمة الدسمة واللذيذة؛ لابد من "تعديل" المزاج بمذاق من الحلوى الاستثنائية تسمى "كعب الغزال"، لا داعي للقلق، هذه الحلوى لا علاقة لها بأقدام الغزلان ولكن سميت بذلك لمجرد التشابه بينهما لا أكثر، ويُقال بأنها من أقدم الحلويات في بلاد المغرب وتُعد مدينة فاس أول من صنع هذه الحلوى الشهية، وهي عبارة عن عجينة حلوة المذاق محشوة باللوز وتأخذ شكل الهلال.

مطابخ عالمية شهيرة في فاس

مأكولات من كل أنحاء العالم

لا تقتصر الأطباق في مدينة فاس على المطبخ المغربي فقط؛ بل تضم المدينة عددا كبيرا من أرقى المطاعم والمطابخ العالمية، إذ يمكن التمتع بالمأكولات الفرنسية والإيطالية والآسيوية وغيرها من المطابخ ذائعة الصيت، في زيارتكم إلى مطعم Le 44 Cafe Restaurant، يمكنكم تذوق أشهى أطباق المعكرونة الإيطالية اللذيذة مع لمسات من التوابل والبهارات المغربية الممتازة، يقع هذا المطعم في منطقة "الطالعة الكبيرة" السياحية ويمتاز بأجوائه الجميلة التي تمزج الديكور والأثاث الغربي بالأصالة والعبق الشرقي الفاسي.

وعلى مقربة من هذا المكان تجدون Cafe Clock، هذا المقهى العالمي الذي أصبح مزارا لابد منه لكل مسافر إلى فاس، ويتألف هذا المطعم من 3 طوابق مع شرفة على السطح وإطلالة على مآذن وشوارع فاس الضيقة، ويقدم مختلف الأطباق المغربية والعالمية، مع سندويشات "برجر" مُعدة من لحم الجمال، بالإضافة إلى العصائر الطازجة، وننصح هنا بعصير الليمون الذي لا يُقاوم، وأطباق من الحلويات التي يشرف على تحضيرها وتزيينها طهاة محترفون، ولا يقتصر الفن في هذا المكان على أطباق الطعام فقط، بل على دورات الطبخ التي يقيمها هذا المركز، كما يُنظم عروض أفلام وموسيقى مُلهمة مصاحبة لوجبات الطعام التي تُحضر بعناية فائقة واهتمام وحب.

فندق قصر أماني

تعلموا فنون الطبخ المغربية

تعتبر تجربة حجز فندق قصر أماني في فاس من التجارب الممتعة القليلة التي تجمع بين الإقامة في فندق فخم من فئة خمس نجوم مع إرتداء زي الطبخ والغوص في إعداد الطعام، هذا القصر القديم الذي أعيد ترميمه على أحدث طراز ومع وسائل الراحة والترفيه الحديثة يُمثل نموذجا حيا لتجربة الطعام والمطبخ المغربي الأصيل، وبغض النظر عن جمال المكان الذي يطغى عليه الطابع المغربي والموزاييك والرخام المدهش مع حديقة داخلية تضم عشرات الأنواع من الأزهار والأشجار العطرة؛ بغض النظر عن كل هذه الجماليات؛ يُقدم الفندق ورشات طبخ عالمية يقودها طباخون ماهرون من جميع أنحاء العالم.

بعد أن يتم استقبالك بالشاي المغربي بنكهة النعناع وطبق من الحلويات؛ توجه إلى قسم المطبخ للبدء بورشة عمل على أعلى مستوى، حيث تتألف المجموعة عادة من ست أشخاص يقودهم المشرف في جولة إلى السوق القديم المجاور، من أجل التعرف على أهم المواد والتوابل المستخدمة في إعداد الأطباق المغربية المميزة، ومن ثم العودة إلى الفندق وتحضير الطبق المرغوب؛ وينتهي الدرس بتناول ألذ "طاجن" مغربي على شرفة الفندق المطلة على المدينة، وتبلغ تكلفة "رحلة الطعام" هذه وحجز فندق قصر أماني قرابة 108$.

وكما يتم استقبال الضيف بحفاوة مع كأس الشاي يتم توديعه أيضا بباقة من وصفات الطعام الحصرية والبهارات المغربية القيمة كتذكار يستمر تأثيره إلى ما بعد فاس.